Untitled 1 » Blog Archive » الميتافيزيقيا الجزء الثالث

الميتافيزيقيا الجزء الثالث

المشكلة الميتافيزيقية

كيف تنشأ المشكلة الميتافيزيقية؟! حقيقة بعد كل هذا, نبدأ بالاستفسار بهذا السؤال, وللحظة ظننت أنها تخص الفلاسفة الكبار, ولا تخصني أو أي شخص آخر, لكن هي مشكلة تصادف العقل البشري أيا كان..

 

يذهب الفيلسوف الأفلاطوني المعاصر ألفرد إدوارد تيلور إلى أن المشكلة الميتافيزيقية تظهر أساسا لوجود تناقض في خبرتنا المألوفة. فقد علمتنا تجارب الحياة اليومية أن نفرق بين ما يوجد الحقيقة, وبين ما يظهر أنه موجود حقيقي, وليس هناك تقابل في لغات الأمم المتحضرة وآدابها أكثر شيوعا من التقابل بين الظاهر والحقيقة, فيلقى الإنسان هذا التقابل في نشاطه, وأخلاقه وأهدافه وفي أيضا دراستنا لظواهر الطبيعة على حد سواء.

 

أولا: تناقض الخبرة:

 

- في الحياة اليومية:

لاشك في أننا نلتقي الكثير من ألوان التناقض في حياتنا اليومية, فمثلا إظهار صديق لك الولاء والصدق, ولكن الحقيقة إنها أبعد من تكون كذلك, قد لا يتورع عن الكذب أو الافتراء عليك من وراءك.. ونجد هذا السلوك واضح جدا في مجال السياسة, فهنا النفاق سلوكا مميزا للفرد والجماعة.

 

نحن نقابل باستمرار “الظاهر والحقيقة” في حياتنا اليومية وفي الظواهر الطبيعية أيضا, فمثلا بين المظهر السكوني للأرض وحركتها الحقيقية, والتشابه الظاهر لكتلة من المادة واختلاف عناصرها الكيميائية, وحركتها الحقيقية.

 

والدافع في التفرقة بين الظاهر والحقيقة واحد دائما, وهو الهروب من الاعتراف بالتناقض في خبرتنا وتجاربنا اليومية؛ لأن العقل يأبى التسليم بالتناقض. فلو افترضنا أن إدراكتنا الحسية امتنعت عن التضارب بعضها مع بعض, لكنا على استعداد للتسليم بها جميعا, ولصنفناها كلها بأنها حقيقية وصادقة, ولا امتنعنا نحن بدورنا عن إثارة الأسئلة حول صدقها أو كذبها النسبي. ولن نكون بحاجة إلى تصحيح انطباعاتنا الأولى المباشرة عن طبيعة أنفسنا, فتصبح كلمة الخطأ بلا معنى..

 

ما الجانب من تفكيرنا الذي يصور العالم تصويرا دقيقا وحقيقيا؟ وما هي الجوانب أو الأفكار التي لا تعبر إلا عن الظاهر فحسب؟

 

يقول برتراند رسل: إننا إذا ما أخذنا أي موضوع نألفه مما نظن أننا نعرفه عن طريق الحواس لوجدنا أن ما تنبئنا به الحواس مباشرة عنه, ليس هو حقيقة هذا الشيء في ذاته مستقلا عنا, بل الواقعة المتعلقة ببعض المعطيات الحسية التي تعتمد على العلاقات بيننا وبين ذلك الموضوع, وهكذا فإن ما نراه ونشعر به ليس إلا مظهرا نعتقد أنه إشارة إلى حقيقة تكمن خلفه. ولكن إذا كانت الحقيقة ليست إلا ما يظهر, فهل لدينا أية وسيلة للكشف عن طبيعة هذه الحقيقة…؟

 

لقد كانت أهمية الإشكالات الكثيرة التي يأتي بها ” الإدراك الحسي المباشر” لمثل هذا الضرب من التفكير الفلسفي هي التي جعلت أفلاطون, وأرسطو من بعده, يصف الفلسفة بأنها وليدة التعجب والدهشة مما يراه المرء من مفارقات ومتناقضات في الحياة وظواهرها الطبيعية في آن معا.

ومن فكرة التغير -التي تعني انتقال الشيء من حال إلى حال آخر يختلف عن الحال الأول- سار الميتافيزيقيون إلى طرح سؤال هو: ما الذي يتغير؟ وما الذي يكون دائما أو ثابتا؟ وأجابوا أنه الجوهر, فعكفوا على دراسته وأعراضه, فظهرت نظريات ميتافيزيقية متنوعة عن طبيعة الجوهر والأعراض, وتفرعت منها مشكلة أخرى عن الواحد والكثير, فالجوهر – كهذا الشخص مثلا – لكنه يحمل صفات كثيرة, فكيف يرتبط الواحد بالكثير, وكيف يرتبط الكل بالأجزاء, وهكذا ظهرت المشكلات الميتافيزيقية يعقب بعضها بعضا في سلسلة مترابطة الحلقات.

 

- في الحياة العلمية:

إذا كانت الحياة اليومية تكشف لنا عن تناقضات في الخبرة في جميع المجالات السياسية, والدينية, والأخلاقية, والثقافية…الخ, فإن العلم يثير مشكلات من نفس النوع, وليس في استطاعتنا أن نقول إن محاولة التوفيق بين المتناقضات التي يثيرها الإدراك الحسي المباشر في كل صوره, أو التي نلتقي بها في ميادين الحياة المختلفة يمكن أن تقتصر على علم بذاته. فالقاسم المشترك الأعظم بين العلوم جميعا هو محاولة الكشف عما ينبغي أن نقول عنه حقيقي, وما يجب أن نقول عنه إنه مجرد ظاهر أو مظهر في ذاك الفرع أو ذاك من أفرع الميتافيزيقا. فهناك باستمرار في كل دراسة محاولة لرفع التناقض.

يضيف تيلور مثال على التناقض, فنحن نجد أنفسنا أحيانا مضطرين إلى اعتبار المادة ساكنة وقادرة على الحركة عن طريق دفعة تأتيها “من الخارج” مع أننا ننظر إليها أحيانا أخرى, على أن لها قوى مركزية “في داخلها”. ومن الواضح أن هاتين النظريتين المتعارضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين صحة نهائية. ومن ثم نجد أنفسنا في هذا الموقف: إما أن نتخلى عن التفكير المتسق غير المتناقض, أو نواجه هذا السؤال: هل إحدى هاتين الوجهتين من النظر صادقة صدقا كاملا؟ وإذا كانت واحدة منهما صادقة على هذا النحو فما هي…؟ ومن ناحية أخرى فإننا يمكن نجد أن المبادئ الأساسية في دراسة من الدراسات تتناقض مع مبادئ دراسة أخرى, مثلا؛ الارتباط المطلق لكل حركة من الحركات, بسلسلة الحركات السابقة عليها, وهو ما يفترض كمبدأ أساسي في علم الميكانيكا – يتناقض, فيما يبدو مع حرية الإرادة البشرية – ومع حقيقة الغرض أو الغائية الإنسانية, وتلك وقائع أساسية عند علم آخر مثل علم الأخلاق, أو التاريخ. ومن ثم تجدنا مضطرين إلى طرح السؤال: أيهما أكثر صدقا: الضرورة الآلية أم الحرية الأخلاقية, أي الفكرتين هي الحقيقة, وأيها هي الظاهر…؟!

 

لقد أخذت الميتافيزيقا على عاتقها, في شيء من التنظيم والعمومية, أكثر من أي علم آخر, أن تقوم بمهمة طرح السؤال أساسا عما نعنيه بالوجود الحقيقي أو الواقع الحقيقي, وإلى أي درجة تتفق نظرتنا العلمية, وغير العلمية, وإلى العالم, مع الخاص العامة لهذا الوجود الحقيقي. ومن هنا فقد قيل عن الميتافيزيقا  ” إنها محاولة لفهم جميع تصوراتنا السابقة وللشك فيها “. وقيل عنها أيضا: ” إنها جهد دءوب غير مألوف للتفكير تفكيرا متسقا ” …

 

في المرة القادمة سيكون الحديث عن نماذج من المشكلة الميتافيزيقية

Leave a comment

Your comment

CAPTCHA Image

Untitled 1 Untitled 1 Untitled 2 Untitled 1

 

Untitled 1